ابتُلِيَ رجلٌ بمحبةِ امرأةٍ، وكان حالُه من الفقرِ وقِلَّةِ ذاتِ اليد بحيثُ لا يُعينه على التقدُّم لخطبتها، إذ كان يعلم يقينًا أنَّ أهلها إن اطّلعوا على ضيق حاله وفقره لن يُزوِّجوه إيّاها.
فقصَدَ شيخَ القرية، وكان رجلًا عاقلًا ذا حكمةٍ وتدبير، فشكا إليه ما نزل به، وأخبره بحبِّه لتلك المرأة، وبما يخشاه من رفض أهلها له بسبب قلّة ماله.
فقال له شيخُ القرية، متلطّفًا في تدبيره: «أَتبيعني حُلَلَكَ باثني عشر ألف درهم؟» فأجابه الرجل: «لا». فقال الشيخ: «إذًا، امضِ إليهم واخطبها، فإذا سألوك: مَن يعرفك ويشهد لك؟ فقل: شيخُ القرية».
ففعل الرجل ما أُشير عليه، ومضى إلى أهل المرأة يخطبها، فقالوا له: «مَن يشهد لك ويعرّفنا بحالك؟» فقال: «شيخُ القرية».
فذهبوا إلى الشيخ يسألونه عنه، فقال لهم: «ما أعرفه إلا أنَّه حضر عندي يومًا، فساوَم في سلعةٍ له باثني عشر ألف درهم، فلم يَبِعها».
فظنّ القوم من هذا القول أن الرجل ذو مالٍ وسعة، وأنه ليس من أهل الفاقة، فاطمأنّوا إليه، وزوّجوه ابنتهم.
فلمّا دخلت المرأة على زوجها، وتبيَّنت حاله وعلمت بحقيقة فقره، قالت له في طمأنينةٍ ورضًا: «لا يضيق صدرك، فهذا مالي بين يديك، تتصرّف فيه كما تشاء»، مُظهرةً رضاها به وقناعتها بما قسم الله لها.
ثم مضت تلك المرأة إلى شيخ القرية، وقد لبست حُليَّها وتزيَّنت، وقالت: «أريد فتوى». فأذن لها بالدخول، فلمّا دخلت كشفت عن وجهها، فقال لها الشيخ: «استتري».
فقالت: «لا أستطيع، فقد وقعتُ في أمرٍ لا يُنقذني منه إلا أنت».
ثم قالت: «أنا ابنة ذلك البقّال الذي على رأس الدرب، وقد بلغتُ من العمر ما يدعوني إلى الزواج، غير أن أبي كان يمنعني، فإذا جاءه خاطبٌ قال له: ابنتي عوراء، قرعاء، شلاء». ثم كشفت عن وجهها ورأسها ويديها، لتُبيّن كذب ما كان يصفها به، وقالت: «ويقول أيضًا: إن ابنتي زَمِنَة»، ثم كشفت عن ساقيها، لتؤكد براءتها من تلك العيوب، وقالت: «وأنا أريد منك أن تُدبِّر لي أمرًا يُخلّصني من هذا الحال».
فنظر إليها شيخ القرية بعين الحكمة، وقال: «أترضين أن تكوني زوجةً لي؟» فما كان منها إلا أن انحنت تُقبِّل قدميه، وقالت: «ومن لي بمثل فضلك وكرمك؟» فقال لها: «امضي في أمان الله».
ثم استدعى الشيخُ أباها، وأعطاه خمسين دينارًا، وقال له: «زوِّجني ابنتك».
فكتب له عقدًا بمئة دينار، فقال البقّال: «يا سيدي، استر ما ستر الله، ليس لي بنتٌ أزوّجك».
فقال الشيخ: «دع هذا عنك، فقد رضيتُ بابنتك التي تزعم أنها قرعاء شلاء زَمِنَة». فاضطرّ الرجل إلى تزويجه، على مئةٍ وخمسين دينارًا.
وفي مساء تلك الليلة، أحضر البقّال ابنته، وجلس بها بين يديه، فإذ هي غير التي قد زارته من قبل، واذ هي قرعاء شلاء زَمِنَة، فلما رآها الشيخ، قال: «ما هذا؟» فقال البقّال: «أُشهدك أني إن لم تكن هذه ابنتي من أمّها، فامرأتي طالق».
فقال الشيخ: «ابنتك طالق ثلاثًا، وأعد كتابة العقد، وأنت في حلٍّ من الخمسين».
ثم بقي شيخ القرية بعد ذلك متفكّرًا في أمره أشهرًا، حتى جاءت تلك المرأة إليه يومًا، فقال لها: «ما الذي حملكِ على ما فعلتِ؟» فقالت له: «وأنت، ما الذي حملك على أن تُغرِّر بنا برجلٍ فقير؟»
✨ما رايك في تصرف المرأة، هل كانت محقة في تصرفها ام لا..؟