سماعة في ودنك، أغنية بتمر مرور الكرام، فجأة قلبك ينقبض… أو يوسع… دمعة تنزل من غير سبب مفهوم… إيه اللي حصل؟ وليه الموسيقى تحديدًا بتعمل فينا كده؟ الحكاية مش عن نغمة حلوة أو صوت جميل… الحكاية عن أصل الوجود نفسه.
خلينا نرجع خطوة ورا… عند شوبنهاور، واحد من أكتر الفلاسفة تشاؤمًا وعمقًا، كتب كتاب اسمه العالم كإرادة وتمثل… الفكرة عنده كانت صادمة العالم اللي إنت شايفه ده كله… مجرد “تمثيل”… صورة… نسخة… انعكاس لحاجة أعمق سماها “الإرادة”… قوة عمياء، مش واعية، بتحرك كل شيء… النبات، الحيوان، الإنسان… حتى رغباتك اللي فاكرها “اختياراتك”.
الفنون كلها الرسم، النحت، العمارة بتحاول تمسك صورة من العالم ده… نسخة من النسخة… بس الموسيقى؟ لأ… الموسيقى عند شوبنهاور مش بتمثل العالم… هي بتتكلم بلغة الإرادة نفسها… كأنها صوت الكون وهو بيتنفس.
يعني لما تسمع لحن، إنت مش بتفهمه… إنت بتتأثر بيه لأنك جزء منه أصلاً.
"يمكن علشان كده… في نغمة واحدة قادرة ترجعك لطفولة نسيتها بالكامل."
وده بالظبط اللي لمسناه عند مارسيل بروست في روايته البحث عن الزمن المفقود… لما بطل الرواية يسمع “مقطوعة فانتاي”، الزمن نفسه بيتفك… الذكريات بترجع مش كأفكار، لكن كإحساس حي… كأن الماضي ما راحش… كان مستني إشارة.
الموسيقى بتكون مفتاح… بتفتح باب في اللاوعي… المنطقة اللي مش بتمر على المنطق، ولا بتستأذن العقل.
الموسيقى بتتجاوز “الأنا”… الجزء الواعي اللي بيحلل ويفسر… وبتوصل مباشرة لـ “اللاوعي”… المخزن الكبير للمشاعر المكبوتة، الذكريات المنسية، الصدمات، الحنين.
عشان كده ممكن تبكي من غير ما تفهم ليه… لأن اللي اتحرك جواك أقدم بكتير من قدرتك على الشرح.
"بس إيه اللي بيخلي لحن واحد يخليك تحس بالنظام… ولحن تاني يخليك تحس بالفوضى؟"
فريدريك نيتشه، في كتابه مولد المأساة، قدم فكرة عبقرية الفن الحقيقي عايش في صراع بين قوتين… “أبولو” و”ديونيسوس”.
“أبولو” هو النظام… الترتيب… الإيقاع المحسوب… كل حاجة ماشية على خط مستقيم.
“ديونيسوس” هو الانفجار… النشوة… الفوضى الجميلة… اللحظة اللي بتكسر فيها كل القواعد.
الموسيقى العظيمة مش بتميل لواحد بس… هي بترقص بينهم.
وده اللي شفناه بوضوح في فيلم ويبلاش… المدرس “فليتشر” كان تجسيد قاسي للنظام… ضغط، تحكم، كمال قاتـ-ل… والطالب “أندرو” كان بيجري ورا لحظة الانفـ-ـجار… لحظة يتلاشى فيها الألم ويتحول لإبداع.
هل العظمة محتاجة ألم؟ ولا إحنا بنبرر القسوة علشان نوصل لها؟
في صطلح مهم اسمه “التنفيس الانفعالي”… أو Catharsis… الموسيقى مساحة آمنة تفرغ فيها اللي جواك… غضب، حزن، رغبة، خوف… بدل ما تنـ-ـفجر في الواقع… بتسيبه ينفجر في لحن.
"طب إيه اللي يحصل لما الموسيقى تبقى أقوى من اللي يقدر يتحمله الإنسان؟"
ندخل على عالم مظلم شوية… مع توماس مان وروايته دكتور فاوستوس… شخصية “أدريان ليفركون” موسيقي عبقري… بيبيع روحه مقابل إنه يخلق موسيقى جديدة تغير التاريخ.
القصة هنا مش عن شيطان حرفي… القصة عن هل العبقرية أحيانًا بتيجي على حساب التوازن النفسي؟
في الواقع، فيه ظاهرة اسمها “متلازمة العبقرية والاضطراب”… علاقة معقدة بين الإبداع العالي والاضطرابات النفسية… كأن العقل لما بيقرب من أقصى قدراته… بيدفع ثمن.
الموسيقى بتتحول لـ “رياضيات روحية”… نظام صارم جدًا… بس تحت السطح في فوضى… توتر… انهيار.
وده بيقربنا من فكرة “الجمال المخيف”… الجمال اللي شدته عالية لدرجة إنه يوجع… يرهق… يخليك تقف قدامه مش عارف تستحمله ولا تبعد عنه.
"طيب… لو الموسيقى قادرة توصل لكل ده… هل ممكن تبقى سـ-ـلاح؟"
الإجابة جاية من التاريخ… مع ديمتري شوستاكوفيتش… اللي عاش تحت حكم جوزيف ستالين… زمن الرقـ-ـابة، الخـ-وف، الاختـ-ـفاء.
في سيمفونيته الخامسة… اللحن كان يبدو احتفالي… كأنه بيحيي النظام… بس في العمق… كان مرثية… حزن متخفي… ألم مش مسموح يتقال بصوت عالي.
الموسيقى كانت رسالة بين الناس… حاجة السلطة ما تقدرش تمسكها.
علم النفس الاجتماعي بيقول إن لما مجموعة ناس تتوحد حوالين لحن… بيتخلق وعي جمعي… إحساس مشترك… حتى لو محدش نطق بكلمة.
هل الفنان ممكن يظهر خاضـ-ـع… وهو في الحقيقة بيقاوم؟
يمكن… لأن الموسيقى مساحة مستحيل تتفتش بالكامل… دايمًا فيها طبقة مخفية.
" كل ده بيقودك لحقيقة بسيطة ومخيفة في نفس الوقت…"
إنت مش بتسمع الموسيقى… إنت بتكشف نفسك بيها.
كل لحن بيختار جزء جواك ويطلعه للنور… جزء يمكن إنت نفسك مش شايفه.