اليوم قدّمتُ استشارةً نفسيةً عبر أثيرِ الإذاعةِ المحليةِ هنا غزة ، وهي أولُ إذاعةٍ محليةٍ تعملُ في غزة منذ العدوان المستمر.
ليس مهماً بالنسبة لي أنَّ اللقاءَ تناولَ مؤشراتِ تأثّرِ الأطفالِ بما يدور حولَهم من أحداثٍ صادمة، ولا تلك النصائح التي قدّمتُها للأهالي للتعامل مع الأطفال في أوقات الطوارئ؛ فهذا بالنسبة لي -وبحكم التخصص- كلامٌ بتُّ أحفظُه غيباً.
المهمُّ أنَّ الأهالي الذين قدّمت الإذاعةُ -مشكورةً- البرنامجَ لأجلهم، ليس لديهم رفاهيةُ الوصول لأثيرِ الإذاعات المحلية؛ فلا أجهزةَ راديو في المدينة، ومعظم الناس لم يتمكنوا من شحن أجهزتهم المحمولة بسبب إغلاقِ نقاطِ الشحن أبوابها في وجوههم بحكم المنخفض، عدا عن انشغالهم بأمور البقاء الأخرى مثل الحصول على الطعام من نقاط التوزيع المجانية أو تعبئة المياه.
الأسعارُ ارتفعت فجأةً مع دخولِ الشهرِ الفضيل بشكلٍ جنوني لتصل إلى أربعة أو خمسة أضعاف؛ بعضُ السلعِ الآن تقترب من أسعارها في المجاعة، وهذا ما يشقُّ على معظم الناس الحصولُ عليها.
لا أخفيكم أن تلك الأفكار قد راودَتني خلال اللقاء، وكنتُ أريد أن أسأل المذيعة التي أجرَتْ معي اللقاء: لمن توجّهون هذا الكلام؟ والمستهدفون -يا حسرتي- يقفون الآن في طوابير للحصول على طعام.
قرأتُ قبل قليل أن "تكية المطبخ العالمي" بصدد توقيف توزيع الطعام في غزة؛ ليس لدي تقدير دقيق لعدد المستفيدين من البرنامج، لكنني أشاهد كل يوم طابوراً طويلاً يحتاج لساعتين ينتظرون للحصول على وجبة إفطار.
لا أدري كيف سيتدبّر هؤلاء القوم أمورهم بعد إغلاق برنامج توزيع الطعام المجاني، ولا أدري إن كان ما قلتُه اليوم عن الصحة النفسية للأطفال في الحرب معلوماتٍ ذاتَ قيمة، في ظل غياب الدرجة الأولى من هرم الاحتياجات الأساسية للإنسان الفلسطيني.
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين