ثلاثون ديناراً لا تمحو خمسة عشر عاماً
ليس من الإنصاف أن يُطلب من المواطن أن يحتفل بزيادة راتب جاءت بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التآكل المستمر لقيمة دخله، وكأن المشكلة بدأت اليوم وانتهت اليوم.
فالقرار الأخير بزيادة رواتب شريحة من الموظفين يمثل اعترافاً رسمياً بأن هناك أزمة معيشية حقيقية تثقل كاهل الأردنيين، وهذه نقطة تحسب للحكومة. لكن الاعتراف بالمشكلة شيء، ومعالجتها بشكل عادل وفعّال شيء آخر تماماً.
خلال السنوات الماضية لم تبقَ الأسعار ثابتة بانتظار الرواتب. فقد ارتفعت تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج والخدمات الأساسية بصورة متواصلة، بينما بقيت دخول آلاف الموظفين تراوح مكانها أو تتحسن بشكل محدود لا يوازي الارتفاع الهائل في كلفة الحياة. والنتيجة أن الموظف الأردني أصبح يعمل بالساعات نفسها، ويبذل الجهد نفسه، لكنه يحصل فعلياً على قدرة شرائية أقل عاماً بعد عام.
لهذا السبب لم يكن مستغرباً أن يستقبل كثير من المواطنين قرار الزيادة بشيء من خيبة الأمل. فثلاثون ديناراً قد تساعد أسرة على تغطية جزء من فاتورة أو التخفيف من عبء محدود، لكنها لا تستطيع أن تعوض سنوات طويلة من التضخم المتراكم ولا أن تعيد للراتب ما فقده من قيمة حقيقية.
المواطن لا يقارن الزيادة بحجم راتبه فقط، بل يقارنها بما خسره خلال خمسة عشر عاماً. يقارنها بارتفاع الإيجار، وأسعار المواد الغذائية، وأقساط المدارس والجامعات، وتكاليف العلاج والمواصلات. ومن هذه الزاوية تبدو الزيادة أقل بكثير من مستوى التوقعات التي تشكلت لدى الناس بعد سنوات طويلة من الانتظار.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أيضاً الاعتراف بأن الحكومات لا تعمل في فراغ. فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع المديونية، والضغوط المالية على الموازنة العامة عوامل تحدّ من قدرة أي حكومة على إجراء زيادات كبيرة دفعة واحدة. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لبقاء الموظف وحده في مواجهة التضخم وتراجع مستوى المعيشة.
إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بقرارات استثنائية متباعدة زمنياً، بل بسياسة واضحة ومستدامة تربط الأجور بمعدلات التضخم وكلفة المعيشة، وتحافظ على القوة الشرائية للمواطن من التآكل المستمر. فالراتب ليس رقماً على ورقة، بل هو وسيلة حياة وكرامة واستقرار لأسرة كاملة.
لقد انتظر الموظف الأردني سنوات طويلة أملاً في خطوة تنصفه وتعيد بعض التوازن بين دخله ومتطلبات حياته. ومن حقه اليوم أن يشعر بأن القرار لم يرتقِ إلى حجم المعاناة التي عاشها، ومن حق الحكومة في المقابل أن تُمنح فرصة لاستكمال المعالجة. لكن ما لا يجوز إنكاره هو أن المشكلة ما زالت قائمة، وأن ثلاثين ديناراً، مهما كانت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تمحو آثار خمسة عشر عاماً من تآكل الرواتب وارتفاع الأسعار.
إن ما يحتاجه الأردنيون ليس مجرد زيادة مؤقتة، بل رؤية اقتصادية واجتماعية تضمن ألا يتحول العمل الشريف إلى معركة يومية من أجل البقاء، وألا يبقى الموظف كلما ارتفعت الأسعار مطالباً بمزيد من الصبر، بينما تتراجع قدرته على تأمين ابسط متطلبات الحياة اليومية


تامر الحلاق
Delete Comment
Are you sure that you want to delete this comment ?
فريدة المصري
Delete Comment
Are you sure that you want to delete this comment ?